الشيخ محمد آصف المحسني
95
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
خَلَقَهُنَّ « 1 » ، وقد أجمع المسلمون عليه أيضاً « 2 » . وعلى الجملة : أنّ الخضوع على أنحاء : فمنها : الخضوع بنحو التديّن والتألّه ، وهذا النحو مختصّ بالله سبحانه ، ولا يجوز إشراك أحد غيره فيه ، ومن أشرك فيه غيره - ولو كان هذا الغير رسولًا كريماً - كان خارجاً عن الإسلام وداخلًا في زمرة المشركين . قال الله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ « 3 » ، وقال تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ « 4 » ، وقال تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ « 5 » . ومنها : الخضوع بنحو التدين دون التألّه ، وهذا كما في خضوع الناس للأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) ، بل للعلماء . وهذا جائز بلا إشكال ، كيف وقد أمر الله الناس بخضوعهم لوالديهم كما في القرآن : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ « 6 » ، فتأمل . وفي الحقيقة أنّ هذا الخضوع لله تعالى ؛ لأنّه يقع من المكلف بأمر الله تعالى ، ولا داعي له في ذلك سوى امتثال أمره والإتيان بحكمه ، فالخضوع للأنبياء والأولياء وإن كان عن تدين وجعله شعاراً إلا أنّه ليس بنحو التألّه واتخاذهم آلهةً ومعبودين مستحقين للعبادة ذاتاً ، بل لأجل تعيين الله إيّاهم وفرضه طاعتهم علينا ، فبين الطاعتين فرق ، ولعله من أجل هذا الفرق كرر كلمة « أطيعوا » في قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ « 7 » ، فكأنّ الآية مخبرة بأنّ طاعة الله تغاير طاعة الرسول والولي ، ويدخل في هذا القسم سجود الملائكة لآدم ( ع ) على الأظهر . نعم ، لو كان الذي يخضع له تديناً غير منصوب من قبل الله تعالى يكون الخاضع له مشرّعاً
--> ( 1 ) - فصلت 41 / 37 . ( 2 ) - أمّا ما نسب إلينا من جواز السجود لقبور أئمتنا ولتربة قبورهم فهو افتراء جلي وكذب علني علينا ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وبالجملة : نحن نسجد على التربة الحسينية لا لها ، بل لله تعالى . ( 3 ) - آل عمران 3 / 64 . ( 4 ) - الإسراء / 23 . ( 5 ) - الأنبياء / 99 . ( 6 ) - الإسراء / 24 . ( 7 ) - النساء 4 / 59 .